من كربلاء إلى الربيع العربي
لعلّ مما يثير التفكير في محرّم هذا العام، ما يمكن أن تسفر عنه هذه الهبّات الشعبية من تغيرات، تنذِر بانهيار أعمدة ونظريات سياسية قديمة حسبناها راسخةً كالجبال، وتبشّر بنشوء أعمدة جديدة، وإعادة الاعتبار لنظريات دينية سياسية أخرى كانت مقموعةً وتعيش في الظل، تستروح فيها الشعوب العربية طعم الحرية والعدل والمساواة.
تغير البنى السياسية الفوقية هو الجزء الأسهل في عملية التغيّر التاريخي الظاهر على السطح، أما الجزء الأعمق والأهم فهو الذي ينال الفكر ويطيح بالنظريات الجبرية التي كبّلت العالم الإسلامي قروناً بعد قرون. نظرياتٌ سوّق لها مشايخ وشعراء ورجال دين إمعة، تنقصهم جميعاً الكرامة وخشية الله، فوقفوا يفتون للحكام الظلمة بما يشتهون، ويوفّرون لهم الغطاء الشرعي لظلم الناس وسلب أموالهم والاستئثار بما الناس فيه سواء.
التحوّل الأكبر الذي نرصده اليوم، هو بداية الهزة الفكرية الكبرى، التي ستطيح بنظرية ولي الأمر الواجب الطاعة ولو جلد ظهرك وسرق مالك ولطمك على خدك، التي سادت أكثر من ألف عام. نظريةٌ متلبسة استغلت فيها آيات قرآنية للدفاع عن مصالح الإقطاعيين والمستبدين، ومنع الناس من مجرد التفكير في محاسبتهم. نظريةٌ بدأها الحكام الأمويون عندما حملوا المصلين على مبايعتهم بالطاعة قرعاً بالسيوف، وانتهت بوقوف الخليفة العباسي المنصور الدوانيقي، ليدّعي على رؤوس الأشهاد أنه ظلّ الله في الأرض.
الأمويون والعباسيون عملوا على ترسيخ هذه النظرية في أذهان العامة، وورّثوها لمن جاء بعدهم من الحكّام والامبراطوريات والسلطنات، العربية والأعجمية، على امتداد العالم الإسلامي... حتى دخل عصر الظلمات، وتبعه عصر الاستعمار فالاستقلال، حيث يعاد إنتاج العبودية في كل عهد.
النظرية دُبّجت في فلسفتها آلاف الكتب مدفوعة الثمن من بيت مال المسلمين. لها مشايخ مروّجون يقتعدون عند أعمدة الجوامع للفتوى، وأصبح خلَفُهُم يفتون على الفضائيات. هذه النظرية تواجه اليوم أكبر تحدٍّ، مع هبّة الشعوب في عدد من الأقطار العربية، بما ينبئ بأن زمن الفذلكات أوشك على الانتهاء، وزمن يقظة الشعوب قد أطلّ، وهذا أخطر وأهم ما قد يأتي به الربيع العربي: سقوط نظرية تطويع العبيد بسندٍ شرعيٍّ مختلق.
المؤسسة الدينية التقليدية المتحالفة مع القصور لم تكن تعمل على تخدير الناس في العصور الوسطى فحسب، بل منذ العصر العباسي والأموي. وكانا يواجهان عدداً من الحركات الثورية والمدارس الفكرية، المناهضة للتفرّد والاستبداد، والطامحة للعدل والمساواة. هؤلاء قُمعوا حتى ذلوا، وقُتلوا حتى قلوا، حتى سيطر على العالم الإسلامي الظلام.
اليوم... ينبعث الأمل بأن تسترد الشعوب العربية حريتها وكرامتها، وتنهض من كبوتها. في هذا الزمن لن تبقى كربلاء أحجيةً ولا حدثاً غامضاً ولا لغزاً صعباً على ملايين المسلمين. ستتفتح الأذهان بعد اليوم لمعرفة ما جرى في كربلاء، وعمّا قريب قد نشهد تقارباً بين الضفتين الإسلاميتين الكبريين بما يحقق مزيداً من التلاقي على أهداف العدالة والمساواة في مواجهة دعاوى الفتنة والشقاق
قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3376 - الإثنين 05 ديسمبر 2011م الموافق 10 محرم 1433هـ
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3376 - الإثنين 05 ديسمبر 2011م الموافق 10 محرم 1433هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق