تقريرٌ فرضته عذابات الضحايا
ربّاه... يبدو الحديث اليوم عن تقرير لجنة تقصّي الحقائق، المعروف بـ «تقرير بسيوني»... يبدو حديثاً عن ماضٍ سحيق! هذا ولم يمضِ على صدوره أكثر من ثلاثة أسابيع!
ويبدو أن التقرير أصبح وثيقةً تاريخيةً، ولم يعد مادةً يعوّل عليها كجسر عبور لمرحلة أكثر تسامحاً وإنسانيةً، وهو ما يدعو البعض إلى الصمت أو اليأس.
في الندوة التي نظّمتها جمعية «وعد» الأربعاء الماضي لقراءةٍ قانونيةٍ في «تقرير بسيوني»، قال المحامي محمد أحمد: «إن ما أورده التقرير من انتهاكات لحقوق الإنسان لم يأتِ تكرّماً من أحدٍ لإظهار الحقيقة بل فرضته دماء الضحايا وعذابات المواطنين وما تعرّضوا له من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان».
الحضور كان متنوّعاً، من سياسيين ونشطاء حقوقيين ودكاترة ومعلمين وطلاب جامعيين وموظفين مفصولين، فضلاً عن المهتمين بالشأن العام من الجنسين، ومن أعمار تتراوح ما بين العشرين والستين. وقد كشف المحامي أحمد أن البحرين تقدّمت رسمياً برسالةٍ إلى الأمم المتحدة، بعد شهر ونصف الشهر من العمل بقانون السلامة الوطنية، تشعرها فيها بعزمها تعليق العمل ببعض مواد الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي وقّعتها سابقاً، وهو ما يفسّره المراقبون بأنه نوعٌ من براءة الذمة والتحلل من الالتزامات الدولية.
الضيف الآخر في الندوة كانت المحامية جليلة السيد، التي قالت إن التقرير جاء أفضل مما توقّعته، كما هو حال الكثير من المعارضين والمستقلين، ولكنها عندما غاصت في التفاصيل طرحت انتقاداتٍ وجيهةً أخرى.
المحامية السيد لها موقفٌ سياسيٌ واضح، فقد كانت من المشكّكين بمشاريع الإصلاح التي راجت في العقد الأخير في عدد من الأقطار العربية، وترى أن ما جرى من ترويج لـ «دولة القانون والمؤسسات» كانت وهماً. ومن هنا تقول إن «دولة القانون والمؤسسات كانت غائبةً أثناء تطبيق حالة السلامة الوطنية».
السيد لها قراءتها للساحة، فـ «تقرير بسيوني تحدّث في الفقرة (1691) عن أن الوضع وصل إلى انهيار تام للقانون والنظام، لذلك أعلنت حالة السلامة الوطنية في 15 مارس 2011». ولكنها تذهب إلى أن سبب عدم استقرار الأمور يعود إلى قوات الأمن وليس للمظاهرات السلمية، وقد تم خلق ذريعةٍ لإعلان حالة السلامة الوطنية عبر اتهام المتظاهرين بتوتير الأجواء الأمنية».
في قراءتها للتقرير تقول إن حتى من صاغ تقرير بسيوني لا يبدو مقتنعاً بالتبريرات التي قدّمتها الدولة، بدليل إلحاقه بعض العبارات من دون تحقيق أو تمحيص، من قبيل: «الدولة اعتقدت أن الوضع وصل إلى انهيار تام»! وتساءلت عما شهده الشارع من إطلاق آلة العنف في الشوارع، وما تبعه من حقن طائفي وتحريض على الهوية، استكمل حلقاته في إلغاء البعثات والفصل الجماعي من العمل، وترويع المواطنين من دون مراعاة لأبسط حقوق الإنسان حسب المعايير الدولية».
جليلة السيد من الشخصيات التي تحمل آراء يضيق عن نشرها هامش حرية النشر الصحافي في الأوضاع الاعتيادية، فكيف بعد أن زمجرت العواصف واختلطت الأمور؟ وهي تطرح آراءها في ثقةٍ، وبمنطقٍ حقوقي جدلي يصعب الرد عليه.
في القرن العشرين، لعبت نخبةٌ من «المحامين» دوراً مشهوداً في الدفع بتغييرات كبرى في الأنظمة التي تعاني من مظالم اجتماعية واسعة وسياساتٍ عنصرية، من الولايات المتحدة والهند ومصر وجنوب إفريقيا. أما في القرن الحادي والعشرين فتشهد الأنظمة العربية حراكاً شعبياً تشارك فيه بفعاليةٍ، نخبةٌ من المحامين والحقوقيين
قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3390 - الإثنين 19 ديسمبر 2011م الموافق 24 محرم 1433هـ
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3390 - الإثنين 19 ديسمبر 2011م الموافق 24 محرم 1433هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق