نصيحة للسيد نوري المالكي
مشكلة العراق هي في ظنِّ سياسييه أنهم يُديرون فعلاً دولة. هذا باختصار هو لبّ الموضوع. جمهورية العراق، هي ليست جمهورية أولاً، ولا هي عراق ثانيًا، فالموضوع والمصداق فيه متباينان. فالجمهورية هي ليست في قدرتك على الصراخ في وجه رئيس الدولة. كما ان الحكم فيه هو ليس بالضرورة لبلد واقع في غرب آسيا، ومساحته 438,317 كم، ومجاورٌ للكويت والسعودية وتركيا وسورية والأردن وإيران. فالجمهورية والعراق لهما فضاءان مختلفان تمامًا.أقرأ الصحف العراقية كل يوم. أطوف على أخبارها ومقالاتها. أكثر ما أقرأه فيها يؤكد ما ادَّعيت. بالتأكيد، العراق ستكون به دولة حتمًا، وسيكون به أشخاص (وهو كائن أصلاً) قادرون على أن يكونوا قادة فعلاً، لكن هذا الأوان مع شديد الأسف لم يأت بعد. كلّ المشكلات التي يمرّ بها، والعثرات التي تحنف رجليه تجعلني أتيقن ذلك. وربما جاءت المشكلة الأخيرة التي فجَّرت الوضع السياسي هناك، وهي اتهام نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بدعم وتوجيه أشخاص من حمايته للقيام بأعمال إرهابية وطائفية في بغداد دليلا على ما أقول.
هنا، لن أتحدث عن القضاء العراقي، وهل أنه نزيه أم لا، لكنني أتحدث عن «قيامة سياسية» سبَّبتها قرارات خاطئة، وفي أوقات خاطئة. مَنْ مِنَ السياسيين العراقيين ليس متهمًا بارتكاب أعمال جنائية لكي يقوم المالكي بتحيين واتهام الهاشمي بتلك التهم وبهذه الطريقة؟! نعم، قد تكون التهم للهاشمي جِدِّية وواقعية، لكن جدارة تطبيقها مرتبطة بالتساؤل الطبيعي، هل ان بقيّة القوم هم خارج فضل الجرم، أم انهم سواء؟! بالتأكيد، هم في سواسية، وإن بدرجات متفاوتة.
كَتَبَ أحدهم قبل يومين في إحدى الصحف العراقية قائلاً: «أوامر القبض القضائية، واحدة من ثنائيات المختبر التجريبي للرؤية الإنسانية من جانب، والردع العام الذي يساعد على تنقية الأجواء المدنية من جانب آخر». هذا الكلام جميل جدًا، لكنه لا يستقيم مع الواقع. فالخريطة ليست هي الميدان مثلما قال أحد الفلاسفة الفرنسيين. صَدَرَت أوامر بالقبض على حارث الضاري وحازم الشعلان ومقتدى الصدر وأسعد الهاشمي وراضي الراضي لكنها جميعًا لم تحقق الردع العام ولا هي نقَّت الأجواء المدنية، مثلما تمنى صاحبنا في مقاله.
أرجع هنا، إلى الحديث عن أن العراق ليس دولة اليوم. ولا سياسييه بقادة حقيقيين. البلد الذي لا يستطيع فيه الفائز الأكبر من المقاعد، بتشكيل حكومة، في حين يستطيع من هو أقل منه فهذه ليست دولة. والبلد الذي يكون فيه 4.7 ملايين عراقي (واحد من أصل سبعة) مضطرين لمغادرة منازلهم، كأضخم هجرة قسرية لشعب في الشرق الأوسط منذ نكبة فلسطين في العام 1948م، فهذه ليست دولة. والبلد الذي يُكتشف فيه وباء الكوليرا نهاية العام 2007 وتتأكّد إصابة 3324 شخصًا، بنسبة أكبر من إصابات قارة آسيا كلها ليست دولة. والبلد الذي تذهب فيه 90 في المئة من الأموال المخصصة لمشاريع الإعمار، جرَّاء الفساد، بما مقداره 38 مليار دولار ليست دولة. هذا ليس افتئاتا، وإنما حقيقة، ولا هو خيال ناشف وإنما واقع قائم.
اليوم، تصبح معالجة قضية الهاشمي أشبه بمن يريد أن يدعو إلى شيء وهو لا يطبقه، بل ولا أحد يطبقه في دائرة مغلقة من السياسة الموبوءة. وفي بلد، لا يمتلك أبسط مقومات الدولة الناجزة. فما يصلح أن يقال ويُفعَل في دولة أخرى، ليس بالضرورة صالحٌ للعراق. وهنا يصبح التشبه بالبلدان المستقرة أشبه بالضحك على النفس. كثيرة هي الأحيان التي حاولت الدولة العراقية فيها أن تفعل شيئًا لكنها لم تستطع، أو انها قامت بتطبيقها بشكل معقوف. حتى في مسائل البروتوكول الرسمي، أصبح مسئولو العراق يُضرب بهم المثل في الجهل به وبآليته.
اليوم، بعضهم يتساءل: هل سيقبل المالكي بإجراء تحقيق في الخسائر المادية والبشرية التي خلفتها جولة الفرسان العسكرية؟! وهل سيقبل الشعلان بأن يحاكم بتهمة سرقة مليار دولار من وزارة الدفاع؟ وهل سيقبل أيهم السامرائي بأن يحاكم بتهمة الفساد في وزارة الكهرباء، وتهريبه من قِبَل الأميركان من قاعة المحكمة؟ وهل سيقبل إبراهيم الجعفري وحارث الضاري بأن يحاكما بتهمة القتل الطائفي؟ وهل سيقبل قياديون في التيار الصدري بأن يحاكموا على مقتل عبدالمجيد الخوئي وعمليات قتل طائفي في حي الجهاد ببغداد؟ وهل سيقبل عدنان الدليمي بأن يحاكم على خطاب مؤتمر اسطنبول، وعمليات قتل على الهوية؟ هذه أسئلة حقيقية تجرنا إلى فهم واقع على الأرض يعيشه العراق دون أن يضحك علينا أحد.
أقصى ما حققه المالكي في معركته الأخيرة، هي أنه حطَّم سمعة خصمه طارق الهاشمي أمام مؤديه وأنصاره، وخصوصًا من الشيعة العلمانيين، الذين صوّتوا له في الانتخابات التشريعية الأخيرة، لكن تحقيق ذلك، ليس نصرًا للمالكي أبدًا، بل هو زيادة في مراكمة الأعداء. فإن هو (الهاشمي) لجأ إلى تركيا مثلما صرَّح وزير الخارجية التركي داوود أوغلو قبل أيام، فقد أصبح رقمًا سيضاف إلى المئات من الذين خاصمهم المالكي لأسباب مختلفة سُنة وشيعة. وإن هو بقِيَ في العراق، فقد خسِرَ أحد وجوه التيار السُّني الليبرالي، وفي كلتا الحالتيْن، لن يكون المالكي رابحًا أبدًا. فوضع العراق يكفيه من الأزمات المتوالدة الكثير، والتي هدَّت من قواه طوال تسعة أعوام خلت
محمد عبدالله محمد
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3400 - الخميس 29 ديسمبر 2011م الموافق 05 صفر 1433هـ
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3400 - الخميس 29 ديسمبر 2011م الموافق 05 صفر 1433هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق