الأحد، 18 ديسمبر 2011

يوم الملحمة


يوم الملحمة

في مثل هذا اليوم من عام واحد وستين للهجرة، شهدت قرية صغيرة في وسط العراق معركة خاطفة وسريعة، ظلّ لها دويٌ هائلٌ في أذن الزمان.
لم تكن معركة بالمعنى الدقيق للمعركة التي يخوضها طرفان يتعاطيان القتال، ويتحليان بحد من النبل والأخلاق. كانت المعركة هنا معركة كبرى بين فئة قليلة من النخبة النبلاء، وجيش جرّار من الجنود المارقين.
كان قد مضى خمسون عاماً على نزول القرآن الذي أوصاهم بالمودة في القربى؛ وعلى التحاق نبي الأمة بالرفيق الأعلى، حيث كان من جملة وصاياه أن يحفظوه في ذريته.
كان زمن الكبار قد انقضى، وآل الأمر لأبناء الطلقاء، بعدما نزوا على منبر الرسول في ساعة من ساعات غياب الوعي والاستقالة الجماعية من التاريخ. انتهت الامور إلى مجيء حاكم غر، اشتهر عنه ملاعبة القرود ومعاقرة الخمور، وإنشاد الشعر الماجن الذي يدل على شخصية مستهترة بالقيم والأخلاق ومصير الجموع.
مع أول ارتقائه العرش، طلب من ولاته أن يأخذوا له البيعة من الشخصيات الكبيرة... الثاني كان منافساً على كرسي سيخوض من أجله بحراً من الدماء؛ والثالث يخرج من المواجهة ويبلي جسده في العبادة؛ أما الأول فذلك هو التحدي الأكبروالسد المنيع... لأنه سيقف مدافعاً عن قيم السماء في وجه الوثنية الجديدة المتلبسة بالإسلام، لا ينثني ولا يلين. تتزلزل الدنيا ولا يزول.
يخرج من الحجاز في كوكبة من الفرسان النبلاء، من أهل بيته وأصحابه، ليحطوا رحالهم في فلاة من الأرض، ويحاصرهم جيشٌ عرِم كالجراد المنتشر. يَقطع عنهم الماء، ويُضيِّق حولهم الخناق، ويميل عليهم ظهيرة اليوم العاشر، فيبيدهم على دفعات في ساعة من الزمان.
كان الحاكم يطمح إلى طيّ هذه الصفحة ليبدأ عصره الجديد لا يرتفع لامرئ صوت بالتأفف ولا الاحتجاج. هكذا كان المخطط، وما درى أنهم سيقف على رأس الملعونين في سلسلة البغاة أبد الدهر، وأن ضحاياه سيلتحقون بالطبقة الأولى في سجل الخالدين.
يهرم الدهر ويبلى، ولا تهرم هذه الطبقة من الشهداء التي لا يسبقها سابق ولا يلحقها لاحق. تفنى البطولات ولا تفنى بطولاتهم، وتبقى تتلى أبد الدهر بعد أن تركوا للدنيا انشودتها الكبرى للثائرين... نموت ولا نركع وأبى الله والحسامُ الصنيع.
أرادهم الحكم الأموي أن يكونوا أمثولة لمن يأتي بعدهم، ليبقى العرش عدة قرون، وما درى انه في كربلاء سلب ملكه وأدنى أجله، فلم يبق يزيد أكثر من ثلاثة أعوام، وما بقيت الأمبراطورية أكثر من تسعين عاماً، فتحللت وتفككت أوصالها وذهب ريحها وصار جبروتها أثراً بعد عين.
لم يدر القاتل الذي سدّد إلى منحر الشهيد سهماً، إنما يسدّد ضربةً قاضيةً للدولة الباغية تصيبها في مقتل.
تبلى الدهور ويبقى الحسين علماً فرداً شامخاً في الخالدين. سلامٌ على الحسين في يوم قيامه وقيامته، وسلام على صحبه في الخالدين


قاسم حسين

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3377 - الثلثاء 06 ديسمبر 2011م الموافق 11 محرم 1433هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق