الأكاديميون المفصولون والتكريم الدولي
كان مساء السبت الماضي مساءً مختلفاً، فمع اقترابك من مقر جمعية «وعد» في أم الحصم تشعر بأن الجو مكهرب، إذ تحيط به عددٌ من سيارات الأمن.
ظننت أن قراراً اتخذ بمنع الحفل المقرّر لتسليم «جائزة الحريات الأكاديمية» التي قدمتها «جمعية دراسات الشرق الأوسط»، للأكاديميين المفصولين من أعمالهم لأسباب كيدية سياسية. لكن زميلةً لحقت بي وعلمت منها أن مجموعةً مجهولةً حاصرت المقر لمنع ورشة عمل حقوقية ذلك الصباح أيضاً، وأن الأمن لحماية المقر من تهديداتهم.
هذه المؤشرات تشي ببروز اتجاهٍ إقصائي متطرف يسعى لفرض إرادته في الحدّ من حرية التعبير، للإجهاز على ما تبقّّى من حرياتٍ هزيلةٍ أصلاً. وإذا ما ضممنا ذلك إلى ما جرى من تعدٍّ مبرمجٍ على الشعائر الدينية في المحرق قبل أسبوع، تكون الصورة قد اتضحت أكثر بشأن مساعي تقويض ما تبقى من حريات عامة.
كان لافتاً كتابة شعاراتٍ معاديةٍ للمعارضة على جدران جمعية «وعد»، فحسبت أن القاعة ستكون خاليةً بسبب هذا الجو المكفهر، لكن عند دخولها كانت ممتلئةً بالحضور. أغلب الوجوه تقابلها هنا لأول مرة، بحكم اشتغالهم عن السياسة بالعلم... وقد جاءوا للحديث عن قضيتهم وتسلّم جائزة الحريات الممنوحة هذا العام للأكاديميين والإداريين والطلبة الجامعيين الذين تعرّضوا لأكبر عملية فصلٍ في تاريخ التعليم منذ انطلاقته في العشرينيات، ما اعتبره البعض مجزرةً كبرى بحق التعليم وكوادره.
الأكاديمي حميد مطر ألقى كلمةً مختصرةً استهلها قائلاً: «لم أقف لألقي محاضرةً بعد سبعة أشهر من الفصل، فَقَدْنا خلالها اللياقة لإلقاء المحاضرات، ولكننا أصبحنا خبراء في المجالين السياسي والحقوقي»! وأعرب عن عزمه طرح مقرّرٍ جديدٍ عن «حقوق الإنسان» في الجامعة بعد العودة... ثقةً تامةً بحتمية العودة ورهاناً على بحرين أكثر مدنيةً وعدلاً.
مطر أشار إلى أن هناك أساتذةً أمضوا في خدمة الجامعة 35 عاماً، جرى اعتقالهم عند الثانية فجراً واقتيدوا من غرف نومهم، وتعرّضوا لفصلٍ ومحاكماتٍ بسبب ممارستهم لحقّهم في التعبير عن الرأي والتجمع السلمي. ولفت إلى أن جمعية دراسات الشرق الأوسط الأميركية التي تضم آلاف الخبراء المتخصّصين في قضايا المنطقة والعالم، وقفت مع الأكاديميين من بداية الاعتقالات والتحقيقات، ومنحتهم جائزتها هذا العام.
بعض المفصولين أعيدوا إلى وظائفهم قبل شهر، ولكن تحت شروطٍ مجحفةٍ تتعارض مع حقوق الإنسان والكرامة البشرية، من قبيل التهديد بالفصل والإنذار النهائي، وهو ما يشلّ الأستاذ الجامعي ويمنعه من العطاء والإبداع، فضلاً عن حضور المؤتمرات أو المنتديات العلمية أو أية حقوق وامتيازات، بحسب مطر.
ما وقع للأكاديميين أمرٌ مسيء لا تتمناه أية دولة، فعمليات الفصل والمحاكمات، استندت إلى تهمةٍ مشتركةٍ وغريبة في عرف القانون، وهي «الذهاب إلى دوار مجلس التعاون الخليجي»! وهناك تهمٌ أخرى كالمشاركة في مسيرة سلمية، ومن لم تُوجد له صورة تؤكد مشاركته يُحضر شهودٌ للوشاية به، وبعضهم زملاء عمل تحوّلوا إلى محقّقين! كما أن بعض لجان التحقيق أعيد تشكيلها بعد رفض بعض الدكاترة الخضوع لاستجواب من هم أقلّ منهم مستوى وتأهيلاً علمياً، خلافاً للوائح، ولكنها خرجت بنفس التهم الجاهزة والنتائج والإدانات.
ربما لن يمر وقتٌ طويلٌ حتى يكتشف الجميع أن استهداف الأكاديميين لم يكن قراراً سليماً على الإطلاق، إذ أخرج شريحةً متعلمةً كامنةً في الظلّ... ليضعها في مقدمة الحراك السياسي العاصف
قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3384 - الثلثاء 13 ديسمبر 2011م الموافق 18 محرم 1433هـ
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3384 - الثلثاء 13 ديسمبر 2011م الموافق 18 محرم 1433هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق