الأحد، 18 ديسمبر 2011

عاشوراء البحرين 2011


عاشوراء البحرين 2011

قبل بضع سنوات أصدرت مجموعةٌ من الشباب المثقف كتاباً عن «عاشوراء البحرين»، رصدوا فيه أهم الفعاليات والإبداعات والكتابات الصادرة في ذلك العام.
كان الكتاب توثيقاً دقيقاً، وهي سُنّةٌ حسنةٌ دأبت الكثير من الجهات الرسمية والأهلية على اتباعها، حفظاً للجهود وتدويناً للتاريخ. هذه التجربة اليتيمة لم تتواصل، لكنها أضاءت الطريق إلى عمل نوعي، يمكن أن يكون مرجعاً علميّاً مهمّاً للمستقبل. وربما كان سبب توقف المشروع أنه ثمرة جهود فردية، وكان المفترض أن تتبناه المؤسسات الدينية الكبرى المعنية بالأمر.
في عاشوراء هذا العام، غابت بشكل شبه كامل النشرات والإصدارات والمجلات التي ميّزت الأعوام السابقة، وهو أمرٌ مفهوم لارتباطه بالأوضاع العامة بالبلد، فالابداعات والإنتاجات الفكرية تحتاج إلى بيئةٍ مستقرةٍ وآمنة. بل يلاحظ تراجع الأنشطة الفنية والثقافية هذا العام للسبب ذاته، مع تعرّض أعدادٍ من القائمين على هذه الأعمال للمضايقات خلال الأشهر الماضية.
هذا العام اختفت صفحات «عاشوراء» من غالبية الصحف عدا «الوسط»، التي كانت من الصحف الأولى التي اهتمت بتخصيص صفحةٍ خاصةٍ بالمناسبة، وجاراها الآخرون. وكان ذلك متوقعاً، لأنها لم تكن قائمة على قناعة وإنّما على حساباتٍ تجاريةٍ وكنوعٍ من المجاملة التي عصفت بها الأحداث. وحين نشرت صحيفةٌ أخرى صفحةً عن عاشوراء تعرّضت لهجوم في وسائل التواصل الاجتماعي من جانب بعض المتطرفين.
في المرسم الحسيني، برز اتجاهٌ فني في بعض اللوحات، به مزيجٌ من حزن وغضب وتحدٍّ وغموض، مع استخدام الخطوط الحادة والألوان الصارخة. ولأول مرةٍ يظهر علم البحرين في عددٍ من اللوحات الدينية، على رغم أنه يظهر في لوحاتهم بالمناسبات الوطنية أو الجداريات العامة. ظهور العلم في اللوحات يقترن بقبور الشهداء أو المشاهد الدالة على الحراك السياسي.
في هذا العام، تميّز عاشوراء بحضور نسائي كبير، مع عودةٍ لافتةٍ لأعدادٍ كبيرةٍ من الشباب والشابات، وخصوصاً الجامعيات. أعدادٌ لم تكن تتفاعل مع الطرح التقليدي للمأتم، أو تجد لها بدائل فيما تعرضه الفضائيات الدينية. هذه العودة ارتبطت بزيادة مشاركة المرأة في الحراك السياسي والشأن العام، وما جرّه عليها من مضايقات وعقوبات جسدية ومادية. وهو حضورٌ وتضحياتٌ قابلها الرجل بالكثير من الاحترام والتقدير، والعرفان والإجلال.
عاشوراء 2011 شهد عودةً واسعةً للمضايف، وتنوعاً أكبر فيما تقدّمه من أطعمة وأشربة، حارةً وباردة. هذه المضايف تعتمد على حبّ الخير والإحسان، ويتبرع لها الكثيرون بما قلّ أو كثر، باعتبارها خدمةً لضيوف الحسين الذي يتشرّف بخدمته الملايين، قربةً إلى الله وتقرباً للرسول المصطفى (ص).
في السنوات السابقة واجهت هذه المضايف انتقاداتٍ من ناحية الترشيد والأولويات وزيادة أعدادها... هذا العام لم ينتقدها أحد، بل استقبلت عودتها بترحاب واسع، كردة فعل على ما تعرّضت له من إزالة وهدم على يد البلديات ضمن الحملة الأمنية قبل أشهر. وهي عموماً تجهيزاتٌ سريعةٌ (طاولات ومظلات مؤقتة غالباً)، يمكن إعادة تفكيكها بمجرد انتهاء الموسم تجنباً للاحتكاكات، وتوسعةً للطريق، وتوفيراً للجهود عن المعارك الجانبية الصغيرة، وحفظاً لهذا الجزء من الأموال العامة الأهلية.
في العام الماضي، شهد افتتاح خيمة «مشروع عاشوراء الإمام الحسين» حضور أربعة وزراء، (العدل والصحة والشئون الخارجية والبلديات)، إضافةً إلى مسئولين آخرين حضروا بصفتهم الشخصية... هذا العام كان هناك غيابٌ كاملٌ للجانب الرسمي، باستثناء زيارة يتيمة لمحافظ العاصمة. حتى المشاريع الرسمية التي أطلقت في السابق للاهتمام بالبيئة وزيادة الوعي الصحي على سبيل المثال، ضاعت فيما ضاع خلال الأشهر الماضية.
اختتم موسم عاشوراء البحرين ظهر الأربعاء الماضي، وفيما كانت المنامة تلملم أطرافها، كانت عدسات الفضائيات الدينية تنقل مشهداً مهيباً على الهواء، لعلم بحريني ضخم وهو يرفرف في صحن الإمام الحسين (ع) في ذروة مراسم العزاء يوم العاشر في العراق، وهو شرفٌ لم تحظ به أية دولة أخرى


قاسم حسين

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3380 - الجمعة 09 ديسمبر 2011م الموافق 14 محرم 1433هـ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق